لم يعد خافياً على المتتبعين للشأن الاقتصادي والقانوني في المغرب أن العلاقة بين الإدارة والمقاولات الشريكة في الصفقات العمومية تمر بفترة ‘شد وجذب’ غير مسبوقة. لغة الأرقام الصادرة مؤخراً تكشف عن منحى تصاعدي مقلق في عدد الملفات المعروضة على القضاء الإداري، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة الترسانة القانونية المنظمة لهذا القطاع الحيوي الذي يمثل المحرك الأساسي للاستثمار العمومي.
إن المتأمل في تفاصيل هذه النزاعات يجد أن ‘التأخر في الأداء’ يظل حجر الزاوية في معظم القضايا المرفوعة ضد مؤسسات الدولة. فالمقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة منها، تجد نفسها في اختناق مالي حاد بسبب تماطل بعض الإدارات في صرف المستحقات، مما يدفعها قسراً نحو ردهات المحاكم لانتزاع حقوقها. هذا الوضع لا يضر فقط بالنسيج المقاولاتي، بل يثقل كاهل ميزانية الدولة بفوائد التأخير والتعويضات القضائية التي كان من الممكن تجنبها بتبني تدبير مالي أكثر مرونة وشفافية.
من جهة أخرى، يرى خبراء أن تعقيد المساطر القانونية وتعدد القراءات للنصوص التنظيمية يفتح الباب على مصراعيه للاختلاف في التأويل بين الآمر بالصرف والمقاول. ورغم دخول مرسوم الصفقات العمومية الجديد حيز التنفيذ، والذي جاء بوعود لتبسيط المساطر ورقمنتها، إلا أن التنزيل على أرض الواقع لا يزال يصطدم بعقليات إدارية تقليدية، مما يجعل من ‘القضاء الاستعجالي’ الملاذ الأخير لحماية الحقوق.
إن استمرار هذا التصاعد في وتيرة النزاعات يستوجب وقفة تأمل حقيقية؛ فالثقة بين القطاعين العام والخاص هي العملة الحقيقية للتنمية. وبدون إصلاح هيكلي يضمن سرعة البت في التظلمات الإدارية قبل وصولها للمحاكم، وتفعيل حقيقي لآليات الوساطة والتحكيم، سيبقى ملف الصفقات العمومية جرحاً ينزف في جسد الاقتصاد الوطني، مما يستدعي تدخلاً تشريعياً وإجرائياً يعيد الأمور إلى نصابها ويحمي المال العام من هدر التعويضات القضائية الناتجة عن أخطاء تدبيرية بسيطة.