شكلت القمة الأخيرة للاتحاد الأفريقي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، محطة بارزة لتكريس الدور الريادي للمغرب داخل القارة السمراء؛ حيث لم يكتفِ المغرب بالحضور الدبلوماسي، بل قدم رؤية متكاملة تضع قضايا الأمن، والماء، والهجرة في صلب الأولويات القارية. وبقيادة ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، نجحت المملكة في تمرير رسائل قوية حول ضرورة العمل الأفريقي المشترك لمواجهة التحديات الراهنة.
وفي خطوة تعكس الثقة القارية في التجربة المغربية، تم انتخاب المملكة لولاية جديدة مدتها سنتان في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، بعد حصولها على 34 صوتاً في الجولة الأولى. هذا الانتخاب ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو اعتراف بالدور البناء الذي تلعبه الرباط منذ عودتها إلى كنف منظمة الاتحاد الأفريقي في عام 2017، وهو ما يمنح المغرب صوتاً مؤثراً في اتخاذ القرارات المتعلقة بمنع النزاعات وإدارة الأزمات في القارة.
ولم يغب ملف “الأمن المائي” عن طاولة النقاش، ففي ظل التغيرات المناخية القاسية، شدد المغرب على أن استدامة المياه وتوفير الصرف الصحي هي ركائز أساسية لتحقيق أجندة 2063. وفي هذا السياق، نظم المغرب حدثاً موازياً تحت عنوان “الماء والتطهير في أفريقيا: التعاون جنوب-جنوب من أجل حلول مبتكرة”، معلناً عن عزمه استضافة مؤتمر رفيع المستوى حول هذا الملف قبل نهاية العام الجاري، ليكون تمهيداً لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه في أبوظبي.
أما في ملف الهجرة، فقد استمر المغرب في الدفاع عن مقاربة إنسانية وتنموية، بعيداً عن المنطق الأمني الصرف. الرؤية المغربية تنظر إلى الهجرة كعنصر هيكلي في الاندماج الأفريقي، وتدعو إلى تنسيق قاري يوزع المسؤوليات ويحول تدفقات المهاجرين إلى فرصة للتنمية المشتركة.
ختاماً، أكد الوفد المغربي على الترابط الوثيق بين التنمية والاستقرار؛ فلا يمكن الحديث عن سلم مستدام دون استثمارات حقيقية في البنية التحتية والنمو الاقتصادي. ومن خلال هذا “الكتاب الدبلوماسي” المفتوح، يثبت المغرب مرة أخرى أن انخماسه في الشأن الأفريقي نابع من إيمان عميق بمصير مشترك، يجمع بين الدبلوماسية الوقائية، والسيادة الصحية، والأمن الغذائي والمائي.