تشهد الساحة السياسية الفرنسية حالة من الغليان عقب التطورات القضائية الأخيرة المتعلقة بزعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبان، والتي قد تعيد رسم خارطة الانتخابات الرئاسية المقبلة بشكل جذري. تأتي هذه التطورات في وقت حساس تمر به البلاد، حيث يترقب الشارع الفرنسي مآلات المعركة القانونية التي تخوضها لوبان ضد أحكام قضائية تقضي بحرمانها من الأهلية الانتخابية، وهو ما يضع مستقبل حزب ‘التجمع الوطني’ على المحك.
بدأت فصول الأزمة حينما أصدرت المحكمة حكماً يقضي بمنع لوبان من الترشح للمناصب العامة لفترة محددة، على خلفية اتهامات تتعلق بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي وتوظيفها لصالح أغراض حزبية داخلية. هذا القرار، الذي وصفه أنصار لوبان بأنه ‘اغتيال سياسي’، أثار موجة من الجدل حول استقلالية القضاء وتداخل المسارات القانونية مع الطموحات السياسية. وتتمحور القضية حول شبهات بقيام الحزب بتعيين مساعدين برلمانيين وهميين في البرلمان الأوروبي، حيث يُزعم أنهم كانوا يعملون في الواقع لصالح الحزب في فرنسا بينما تُدفع رواتبهم من ميزانية بروكسل.
من جانبها، سارعت مارين لوبان إلى تقديم طعن ضد الحكم، معتبرة أن هذه الإجراءات تهدف بالدرجة الأولى إلى منعها من خوض غمار الانتخابات الرئاسية لعام 2027، والتي تظهر استطلاعات الرأي تقدمها فيها بشكل ملحوظ. وفي تصريحات صحفية، أكدت لوبان أن ‘الإرادة الشعبية لا يمكن مصادرتها عبر أروقة المحاكم’، مشددة على أن حزبها سيواصل النضال من أجل ما وصفته بـ ‘استعادة السيادة الفرنسية’.
ويرى مراقبون أن هذا الحكم يمثل سلاحاً ذا حدين؛ فبينما قد يؤدي فعلياً إلى إبعاد أقوى منافسي التيار الوسطي واليساري عن الساحة، إلا أنه قد يساهم في تعزيز صورة ‘الضحية’ التي تتبناها لوبان، مما قد يؤدي إلى استنفار قاعدتها الجماهيرية وزيادة شعبيتها بين الناخبين الغاضبين من النخبة الحاكمة. وفي حال تأييد الحكم بشكل نهائي، سيجد اليمين المتطرف نفسه مضطراً للبحث عن بديل يتمتع بنفس الكاريزما، وهو أمر يبدو صعباً في الوقت الراهن رغم صعود أسماء شابة مثل جوردان بارديلا.
إن التداعيات لا تتوقف عند الداخل الفرنسي، بل تمتد لتشمل توازنات القوى داخل الاتحاد الأوروبي، حيث يراقب القادة في بروكسل وبرلين الموقف بحذر شديد، نظراً لما تمثله لوبان من تهديد لسياسات التكامل الأوروبي. ومع اقتراب المواعيد الانتخابية، تظل فرنسا أمام اختبار حقيقي لمؤسساتها الديمقراطية، في صراع مفتوح بين مطرقة القضاء وسندان الطموح السياسي.