يبدو أن مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا بدأ يخرج من رفوف التمنيات إلى حيز التنفيذ الفعلي بخطوات مدروسة. ففي تطور جديد يعكس جدية مدريد في الدفع بهذا الورش الضخم، خصصت الحكومة الإسبانية ميزانية تناهز 553 ألف يورو لإجراء دراسة جيولوجية معمقة في منطقة استراتيجية بمضيق جبل طارق، وهي الخطوة التي تُعد مفتاحاً لفك شفرات التحديات التقنية التي واجهت المشروع لعقود.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن السلطات الإسبانية كلفّت المجلس الأعلى للبحث العلمي (CSIC) بمهمة تشريح جيولوجي دقيق لمنطقة ‘عتبة كامارينال’ (Camarinal Sill). هذه المنطقة بالذات تُصنف كواحدة من أكثر النقاط حساسية وتعقيداً في المضيق، والهدف من الدراسة هو تحديث البيانات القديمة وتقليص هامش الشك التقني حول إمكانية إنشاء نفق ثابت يربط بين ضفتي المتوسط.
هذا المشروع الطموح لن يكون مجرد جهد عابر، بل هو عمل مؤسساتي متكامل؛ حيث ستتشارك ثلاثة معاهد كبرى تابعة للمجلس العلمي الإسباني في تنفيذ الأبحاث، بالتعاون مع معهد الهيدروغرافيا التابع للبحرية الإسبانية، وبدعم تقني من هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية. ومن المتوقع أن تنطلق العمليات الميدانية في البحر قبل نهاية النصف الأول من عام 2026، حيث ستستمر الرحلات الاستكشافية لنحو 15 يوماً.
العمل لن يقتصر على المسح السطحي، بل سيتضمن استخدام تقنيات متطورة مثل ‘الرسم الخرائطي متعدد الحزم’ عالي الدقة، وأخذ عينات مباشرة من القاع الصخري للمضيق لتحليلها مخبرياً. كل هذه البيانات ستُصب في قالب واحد: بناء نموذج جيولوجي ثلاثي الأبعاد لـ’عتبة كامارينال’، وهو ما سيعطي المهندسين صورة واضحة وحاسمة حول الجدوى التقنية للنفق.
وبطبيعة الحال، وبما أن المنطقة تتمتع بحساسية بيئية فائقة، فإن الأشغال ستخضع لرقابة صارمة وتراخيص تنظيمية دقيقة. والأهم من ذلك، أن هذه التحركات تأتي في إطار التعاون الثنائي المتين بين الرباط ومدريد، مما يؤكد أن حلم الربط بين أفريقيا وأوروبا لم يعد مجرد خيال علمي، بل هو مشروع استراتيجي يطبخ على نار هادئة لضمان نجاحه المستقبلي.