في خطوة جريئة تسبح عكس التيار الأوروبي المتشدد تجاه ملف الهجرة، أعلنت الحكومة الإسبانية بقيادة اليسار عن قرار تاريخي يقضي بتسوية أوضاع نحو نصف مليون مهاجر غير نظامي يعيشون على أراضيها. هذا القرار، الذي يُنتظر المصادقة عليه رسمياً اليوم الثلاثاء عبر مرسوم حكومي، يمثل نقطة تحول كبرى في السياسة الاجتماعية والاقتصادية للجارة الشمالية للمغرب.
وفي تصريحات حية أدلت بها للتلفزيون العمومي الإسباني (RTVE)، كشفت وزيرة الهجرة، إلما سايز، عن ملامح هذه المبادرة الضخمة، مؤكدة أن التقديرات الأولية تشير إلى استفادة ما يقارب 500 ألف شخص من هذه العملية. وأوضحت الوزيرة أن الهدف ليس فقط منح الوثائق، بل إدماج هؤلاء الأشخاص في الدورة الاقتصادية بشكل كامل، حيث سيكون بمقدورهم العمل في أي قطاع يختارونه وفي أي منطقة جغرافية عبر التراب الإسباني.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تعاني فيه العديد من القطاعات الإنتاجية في إسبانيا من خصاص حاد في اليد العاملة، مما جعل الحكومة ترى في تسوية الأوضاع حلاً عملياً لضخ دماء جديدة في سوق الشغل وتعزيز موارد الضمان الاجتماعي. وبدلاً من سياسات الترحيل والتشديد التي تتبناها عواصم أوروبية أخرى، اختارت مدريد نهجاً يزاوج بين الإنسانية والبراغماتية الاقتصادية.
هذا التحرك الإسباني لا يقتصر أثره على الداخل فحسب، بل يبعث برسائل قوية إلى الاتحاد الأوروبي حول كيفية إدارة تدفقات الهجرة بعيداً عن المقاربات الأمنية الصرفة. ومن المتوقع أن يستفيد من هذا القرار عدد كبير من المهاجرين المنحدرين من دول المغرب الكبير وإفريقيا جنوب الصحراء، الذين شكلوا لسنوات جزءاً غير مرئي من النسيج المجتمعي الإسباني، وهم اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تضمن لهم حقوقهم الأساسية وتفتح أمامهم أبواب الاستقرار القانوني.