بقلم عبد اللطيف يعسوب نقلاً عن نيويورك تايمز الأمريكية
بعد أسابيع من قصف الطائرات الحربية الإسرائيلية للعاصمة الإيرانية في يونيو الماضي، وقف كبار جنرالات البلاد بـ”جواربهم” عند مدخل مسجد في شمال طهران، حداداً على الرجال الذين قُتلوا في الضربات، وهم القادة الذين سيحلون محلهم الآن.
لقد ألحقت تلك الضربات أكبر ضربة منفردة للجيش الإيراني منذ عقود، حيث قضت على القيادة العليا للحرس الثوري الإسلامي، “الحرس الإمبراطوري” المرهوب الجانب للمرشد الأعلى للبلاد، آية الله علي خامنئي.
كان السؤال المطروح الآن، هو كيف سيقوم هذا الجيل الجديد من القادة، الذين قُذف بهم إلى القمة، بقيادة البلاد خلال فترة مليئة بالتحديات بشكل استثنائي، بما في ذلك الضغوط الاقتصادية المتزايدة، واحتمال فرض عقوبات دولية جديدة، والتهديدات المنتظمة بشن المزيد من الضربات العسكرية من قبل الرئيس ترامب وإسرائيل.
وجاءت الإجابة في الأسابيع الأخيرة عندما رد هؤلاء القادة الجدد على الاحتجاجات التي عمت البلاد بوحشية تحبس الأنفاس، حيث فتحوا النار على المتظاهرين العزل وارتكبوا مجازر راح ضحيتها الآلاف.
وقالت مجموعة إيرانية لحقوق الإنسان مقرها الولايات المتحدة إنها أكدت مقتل 5,002 شخصاً، من بينهم 207 من أفراد قوات الأمن، خلال الاحتجاجات من 28 ديسمبر إلى منتصف يناير.
وقالت السلطات الإيرانية في أول حصيلة رسمية له يوم الأربعاء، إن 3,117 شخصاً قد لقوا حتفهم.
لقد أكد القمع الدموي في الظاهر، وحدة نظام الحكم في إيران، المتمحور حول آية الله والحرس الثوري، الذي يقدر عدده بنحو 150 ألف فرد، واستعداده لاتخاذ إجراءات وحشية لضمان بقائه، لكن خبراء الشأن الإيراني قالوا إن الرد الدموي كان أيضاً علامة على الضعف المتزايد للنظام، مما كشف عن حدود حكم آية الله خامنئي المستمر منذ 37 عاماً، بينما يصارع الاضطرابات الداخلية المتصاعدة والضغوط الخارجية المكثفة في آن واحد.
وقال السيد ترامب الخميس، إن “أسطولاً” أمريكياً يتجه نحو إيران، لكنه أعرب عن أمله في ألا يضطر إلى استخدامه، وحذر الحكومة الإيرانية مرة أخرى من قتل المتظاهرين أو استئناف برنامجها النووي.
وقال أفشون أستوفار، الخبير في الشؤون الإيرانية في مدرسة الدراسات العليا البحرية في كاليفورنيا ومؤلف كتاب “طليعة الإمام”، وهو تاريخ للحرس الثوري، إن مزيج العوامل هذا وضع نظام الحكم تحت ضغط هائل.
وأضاف: “منذ البداية، رأوا في الاحتجاجات تهديداً وجودياً، وقد لجأوا إلى الرصاص الحي بسرعة كبيرة لأن ضعفهم كان حاداً، وكانوا يدركون ذلك”.
ويبرز الحرس الثوري كجوهر للنظام مع تعرض شرعية آية الله لتحدٍ علني، ويقول السيد أستوفار: “لديك هذا الثيوقراطي العجوز الذي باتت أيامه معدودة، ولديك قوات أمن تتخذ رداً عدوانياً متزايداً تجاه أي تهديد للنظام”.
وجددت هذه الاضطرابات المقارنات بين الجمهورية الإسلامية والاتحاد السوفيتي في الثمانينيات، قبل انهياره.
ونادراً ما واجهت إيران مثل هذه المجموعة الكبيرة من التحديات؛ فشبكة وكلائها الإقليميين، بما في ذلك حزب الله وحماس، باتت في حالة مزرية، وفشل برنامجها النووي المثير للجدل، والذي تقدر تكلفته بعشرات المليارات من الدولارات، في تحقيق الردع، كما أن إمدادات المياه والكهرباء آخذة في الانخفاض، ويتم تحدي المراسيم التي تجبر النساء الإيرانيات على ارتداء الحجاب، وهو رمز عقائدي لحكم آية الله المحافظ، بشكل علني.
ويقول علي فايز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية: “النظام مفلس أيديولوجياً، وفي طريق مسدود اقتصادياً، وغير قادر على إنقاذ نفسه” ويضيف “لكنه لا يزال يمتلك الإرادة، وقدرة مخيفة على القمع”.
ويرى منتقدون أن آية الله، الذي وعد بتقوية الجمهورية الإسلامية بعد وصوله إلى السلطة في عام 1989، هو من قاد البلاد إلى هذا المأزق، فقد كان تعنته، المتجذر في مقاومة الولايات المتحدة وإسرائيل، وأيضاً في معارضة التغيير في الداخل، ركيزة أساسية لحكمه الحديدي، لكن هذا النهج أصبح يُنظر إليه من قبل البعض على أنه علامة ضعف، حتى من قبل بعض مؤيديه، ويقول المحللون إن سلطته الآن في أدنى مستوياتها منذ عقود.
وأثارت الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية في يونيو في البداية، موجة قومية داخل إيران، حيث اتحد الناس من مختلف الأطياف السياسية ضد العدوان الخارجي، وقال عبد الكريم علي زاده، وهو قائد متقاعد في الحرس الثوري، الصيف الماضي أثناء مغادرته المسجد في شمال طهران: “كل هذه الهجمات الغبية من قبل الصهاينة وحدت الإيرانيين”.
وصرح كمال خرازي، وهو مستشار بارز للمرشد الأعلى، لصحيفة “نيويورك تايمز” في يوليو، بأن أعداء إيران “أخطأوا في الحسابات” إذا ظنوا أن الهجمات ستؤدي إلى انتفاضة شعبية، وأضاف: “على العكس من ذلك، فقد أدت الحرب إلى وحدة وطنية.. نحن مستعدون لجميع السيناريوهات”.
لكن هذا التحدي سرعان ما أفسح المجال للواقع الاقتصادي عندما فرضت الأمم المتحدة عقوبات جديدة على إيران، مما أدى إلى انهيار العملة الوطنية، وسرعان ما انتشرت الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر في البازارات الرئيسية بطهران، والتي لعب تجارها دوراً مركزياً في ثورة 1979، لتشمل جميع أنحاء البلاد.
كان ميزان القوى في إيران ينتقل بهدوء من آية الله خامنئي (86 عاماً) إلى الحرس الثوري منذ سنوات، فهم ليسوا مجرد عملاق أمني فحسب؛ بل يسيطرون على إمبراطورية إعلامية، وأجزاء كبيرة من الاقتصاد، وصادرات النفط، والموانئ البحرية، وجهاز استخبارات، وقوات جوية.
ويقول السيد فايز: “لديهم كل ما يلزم لتولي السلطة” وأحد السيناريوهات المطروحة هو أن تستولي شخصية يفضلها الحرس الثوري على السلطة بعد وفاة آية الله خامنئي، مما يحول إيران من دولة دينية إلى دولة يهيمن عليها الجيش مثل باكستان أو مصر.
وهناك سيناريو آخر يتمثل في أن فصيلاً من الحرس الثوري، خوفاً من تغيير النظام بدعم أمريكي، قد يتحرك ضده أولاً.
ويقول السيد أستوفار: “بينما كان الانقلاب العسكري أمراً غير وارد قبل بضع سنوات، إلا أنه أصبح مرجحاً بشكل متزايد الآن بسبب كل الضغوط المتراكمة على النظام”.
وأضاف أن الصورة تزداد تعقيداً بسبب الفجوة بين الأجيال داخل الحرس الثوري، فبينما نشأ الجيل الأكبر سناً خلال الحرب مع العراق في الثمانينيات، وهي فترة اتسمت بالحرمان والمشقة، صعد الضباط الأصغر سناً في الرتب خلال فترة التوسع الإيراني، حيث انتشر نفوذها في سوريا والعراق ولبنان واليمن.
وأشار إلى ظهور فصيل أكثر عدوانية وحزماً بين الأعضاء الأصغر سناً في الحرس الثوري، يشعرون بالاستياء من فقدان تلك الشبكة الخارجية على مدى السنوات القليلة الماضية، فضلاً عن الأضرار الجسيمة التي لحقت ببرنامج إيران النووي بسبب حرب الـ 12 يوماً في يونيو.
وبينما أصبحت مجموعة من الحرس الثوري الأكبر سناً ثرية، حيث يدرس أطفالهم في مدارس خاصة نُخبوية، ويمتلكون منازل في دول أجنبية وسيارات فاخرة، لم يتذوق الجيل الأصغر بعد الكثير من تلك الثروة، ويريد حماية ما يراه مكافأته المشروعة.
ويقول السيد أستوفار: “إنهم يعلمون أنه إذا سقط النظام، فسوف يفقدون مصدر رزقهم، وسيكونون أول من يواجه القصاص”.
ومن الصعب معرفة إلى أين تتجه إيران من هنا، لكن مسارها المستقبلي أثار مقارنات مع دول مثل كوريا الشمالية وتركيا ومصر وروسيا، لكن التوقعات محفوفة بالمخاطر؛ ففي الأسابيع الأخيرة، تم تقييد الإنترنت وساد البلاد ستار من الخوف، مما جعل المعلومات شحيحة للغاية.
ونجت الحكومة الإيرانية من أربع موجات سابقة من الاحتجاجات على الأقل، والتي أثار الكثير منها تكهنات بتغيير النظام، في حين تحدى آية الله الشائعات التي زعمت أنه يحتضر بسبب السرطان أو أنه في حالة صحية سيئة، لكن معظم المحللين يتفقون على أن الضغط على آية الله خامنئي والحرس الثوري من المرجح أن يزداد هذه المرة فقط.
ويقول السيد فايز، مشبهاً الوضع بالسنوات الأخيرة من حكم ماو تسي تونغ في الصين أو ليونيد بريجنيف في الاتحاد السوفيتي: “هذا ليس وضعاً مستداماً حيث تنتظر وفاة زعيم مسن لتعيد الأمور إلى نصابها لان المشكلة في إيران هي أن البلاد لا تملك الوقت لانتظار رحيله”.