يبدو أن أسوار الجامعات المغربية لن تهدأ قريباً؛ فبمجرد أن وضع البرلمان بصمته الأخيرة بالمصادقة على القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، حتى اشتعلت فتيل المواجهة بين الحكومة والنقابة الأكثر تمثيلية للأساتذة الباحثين. هذا القانون، الذي تراه الوزارة قفزة نحو التحديث، يراه الأساتذة ‘تفرداً بالقرار’ وتهميشاً لصوت الأكاديميين.
وفي خطوة تصعيدية لم تتأخر، أعلنت النقابة الوطنية للتعليم العالي عن خوض إضراب وطني شامل لأيام 3 و4 و5 فبراير المقبل، وهو ما يعني شللاً تاماً في التدريب والأنشطة الإدارية داخل الجامعات العمومية. الغضب النقابي نابع من قناعة راسخة بأن الحكومة ‘مررت’ الإصلاح شكلاً ومضموناً دون اكتراث بمطالبهم، ضاربةً عرض الحائط بكل الدعوات التي طالبت بتعليق المسطرة التشريعية والعودة إلى طاولة المفاوضات.
جوهر الخلاف يكمن في ‘هندسة الحكم’ داخل الجامعة؛ حيث استحدث القانون الجديد ‘مجلس الإداريين’ لمواكبة المؤسسات الجامعية، مع إعادة تشكيل ‘مجلس الجامعة’ بصيغة جديدة. وبينما تدافع الحكومة عن هذا التغيير باعتباره وسيلة لتعزيز الرقابة والنجاعة الإدارية، يخشى الأساتذة من ذوبان دورهم الأكاديمي لصالح قرارات مركزية صارمة، خاصة وأن التوجهات الاستراتيجية والمالية ستصبح ملزمة أكثر من أي وقت مضى.
من جانبه، دافع الوزير عز الدين الميداوي عن المشروع أمام البرلمانيين، مؤكداً أن النص صِيغ بـ’موضوعية’ بعيداً عن أي حسابات إيديولوجية، والهدف هو جعل الجامعة المغربية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة. وأشار الوزير إلى قبول أكثر من 70 تعديلاً خلال المناقشات البرلمانية كدليل على الانفتاح، لكن النقابة ترد بأن ‘اللب’ المتعلق بضمانات الحكامة وشفافية التسيير تم تجاهله.
ولا تتوقف نقاط الاحتكاك هنا، بل تمتد إلى طريقة تعيين رؤساء الجامعات وعمداء المؤسسات، والتي أصبحت مرتبطة بـ’دفاتر تحملات’ تركز على الأداء. الوزارة ترى في ذلك ‘احترافية’، بينما يراها الأساتذة باباً مفتوحاً للتعيينات المزاجية والضغوط التعاقدية التي قد تنال من استقلالية الجامعة.
ومع ذلك، يجمع المتابعون على أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد؛ فالقانون يحتاج إلى ما لا يقل عن 11 مرسوماً تطبيقياً لتنزيله على أرض الواقع. وكما يقول مصطفى فغير، عضو اللجنة الإدارية للنقابة، فإن ‘القانون سيمر، لكن الخطر الحقيقي يكمن في النصوص التنظيمية’. لذا، يأتي هذا الإضراب كـ’ضغط استباقي’ لمحاولة صياغة تلك التفاصيل قبل أن تصبح واقعاً مفروضاً، في ظل صراع مستمر حول من يملك حق رسم مستقبل الجامعة المغربية.