في مشهد يعكس ذروة التصعيد ضد المؤسسات الأممية، استيقظت القدس الشرقية صباح الثلاثاء على هدير الجرافات الإسرائيلية وهي تشرع في هدم أجزاء من مقر وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). هذا التحرك الميداني، الذي وصفته الوكالة بـ”الهجوم غير المسبوق”، لم يكن مجرد عملية هدم لمبانٍ أسمنتية، بل اعتبره مراقبون ضربة مباشرة لرمزية الوجود الدولي في المدينة المقدسة.
بدأت القصة في الساعات الأولى من الصباح، وتحديداً عند السابعة فجراً، حين اقتحمت القوات الإسرائيلية المجمع وقامت بطرد الحراس الأمنيين، لتفسح المجال للآليات الثقيلة لتباشر مهامها. وفي هذا الصدد، لم يخفِ جوناثان فاولر، المتحدث باسم “الأونروا”، قلقه البالغ، معتبراً أن ما جرى يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وللحصانات التي تتمتع بها الأمم المتحدة، محذراً من أن “ما يحدث اليوم للأونروا قد يطال غداً أي منظمة دولية أو بعثة دبلوماسية في العالم”.
من جانبه، وضع رولاند فريدريش، مدير الوكالة في الضفة الغربية، النقاط على الحروف، مشيراً إلى أن الدوافع خلف هذه الخطوة سياسية بامتياز. ويرى فريدريش أن الهدف النهائي هو الاستيلاء على الأرض لصالح التوسع الاستيطاني، وهو مخطط لم يعد طي الكتمان، بل جاهر به المسؤولون الإسرائيليون لسنوات طويلة.
وفي الوقت الذي كانت فيه الآليات تواصل عملها، ظهر وزير الأمن القومي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، في الموقع ليبارك العملية، واصفاً إياها بـ”اليوم التاريخي” و”يوم الاحتفال”. بن غفير، المعروف بمواقفه المتشددة، اعتبر أن إزالة المقر هو طرد لمن وصفهم بـ”مؤيدي الإرهاب”، في استمرار لنهج التحريض الذي تتبعه الحكومة الإسرائيلية ضد الوكالة.
على الجانب الآخر، لم تتأخر ردود الفعل المنددة؛ فقد حذرت السلطة الفلسطينية من خطورة هذا التصعيد المتعمد، معتبرة إياه محاولة لتقويض نظام الحماية الدولية للاجئين. كما توالت الإدانات العربية، حيث استنكرت كل من السعودية والأردن هذه الخطوة، واصفة إياها بالخرق الفاضح للشرعية الدولية.
يُذكر أن هذا المقر، الذي يحمل تاريخاً طويلاً يعود للعهد العثماني ثم الإدارة الأردنية، ظل خالياً من الموظفين منذ يناير 2025 بعد دخول قانون حظر أنشطة الأونروا حيز التنفيذ. ومع ذلك، تصر الأمم المتحدة على أن الموقع يظل ملكية أممية محمية بالحصانات الدولية، بغض النظر عن استخدامه الحالي، في معركة قانونية وسياسية يبدو أنها ستعيد صياغة مستقبل العمل الإنساني في المنطقة.