لم تعد كواليس السياسة الخارجية البريطانية بعيدة عن الأعين، فالتسريبات الأخيرة وضعت الحكومة في موقف لا تحسد عليه. كشفت وثائق رسمية جرى تداولها مؤخراً عن حجم الضغوط الكبيرة التي مارستها إسرائيل على بريطانيا، بهدف ثنيها عن اتخاذ قرارات قانونية قد تؤدي إلى تعليق مبيعات الأسلحة. هذه التحركات الإسرائيلية لم تكن مجرد مشاورات دبلوماسية عادية، بل وصلت إلى حد محاولة التأثير المباشر على المسارات القضائية المستقلة في المملكة المتحدة.
وتشير المعطيات الواردة في هذه الوثائق إلى أن مسؤولين إسرائيليين كثفوا تواصلهم مع نظرائهم في لندن، معربين عن قلقهم البالغ من الدعاوى القضائية التي ترفعها منظمات حقوقية ضد الحكومة البريطانية. هذه المنظمات تطالب بوقف تصدير المكونات العسكرية التي قد تُستخدم في انتهاكات للقانون الدولي الإنساني. ويبدو أن الجانب الإسرائيلي كان يخشى أن تذعن لندن لهذه الضغوط القانونية، مما دفعه للمطالبة بضمانات تمنع أي تعطيل لتدفق السلاح.
المثير في الأمر هو التوقيت؛ إذ تأتي هذه التسريبات في وقت يواجه فيه القضاء البريطاني تحدياً حقيقياً لموازنة التزاماته الدولية مع مصالح الدولة الخارجية. وفي حين تحاول الحكومة البريطانية الحفاظ على نبرة متزنة، إلا أن هذه الوثائق تظهر بوضوح أن الضغط كان يمارس في الغرف المغلقة بعيداً عن صخب التصريحات الإعلامية. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بصفقات تجارية، بل بصراع إرادات حول سيادة القانون ومدى قدرة القضاء على العمل بمعزل عن التجاذبات السياسية الدولية.
هذا الكشف يضع حكومة كير ستارمر أمام اختبار أخلاقي وسياسي عسير، خصوصاً مع تزايد الأصوات داخل البرلمان وخارجه التي تنادي بضرورة الشفافية الكاملة في ملف صادرات الأسلحة. فهل ستصمد الاستقلالية القضائية البريطانية أمام هذه العواصف الدبلوماسية؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة، لكن الأكيد أن هذه الوثائق قد فتحت باباً للنقاش لن يغلق بسهولة.