في خطوة تعكس قلقاً متزايداً من هيمنة العالم الرقمي على حياة الناشئة، صادق البرلمان الفرنسي، وتحديداً الجمعية الوطنية، على مشروع قانون يمنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال والمراهقين الذين لم يتجاوزوا سن الخامسة عشرة. هذا القرار الذي جاء بعد جلسة ماراثونية امتدت حتى ساعات الصباح الأولى من يوم الثلاثاء، حظي بتأييد 130 نائباً مقابل معارضة 21 فقط، مما يمهد الطريق لنقله إلى مجلس الشيوخ لاستكمال المسطرة التشريعية.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي كان من أشد المتحمسين لهذه المبادرة، لم يتأخر في التعبير عن ترحيبه، حيث وصف التصويت عبر منصة “إكس” بأنه “خطوة كبرى” لحماية أطفال فرنسا ومراهقيها. ويرى ماكرون أن عواطف الصغار لا ينبغي أن تكون عرضة للتلاعب من قبل خوارزميات المنصات الكبرى، سواء كانت أمريكية أو صينية، مشدداً على أن الوقت قد حان لاستعادة السيطرة على الفضاء الرقمي.
ولا يتوقف الطموح الفرنسي عند حد المنع الرقمي فحسب، بل يمتد ليشمل حظر الهواتف المحمولة داخل الثانويات أيضاً. ومن المتوقع، حسب تصريحات غابرييل أتال، رئيس حزب “النهضة”، أن يدخل القانون حيز التنفيذ الفعلي بحلول شتنبر 2026. وبموجب هذا النص، سيكون على المنصات الشهيرة مثل “تيك توك” و”إنستغرام” و”سناب شات” تعطيل الحسابات القائمة التي لا تلتزم بشرط السن قبل نهاية عام 2026.
هذا التوجه التشريعي لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى تقارير صحية تحذر من الآثار الوخيمة للشاشات على التطور الذهني والنفسي، خاصة لدى الفتيات اللواتي يواجهن مخاطر التنمر السيبراني والمحتوى العنيف. ورغم أن بعض الأصوات السياسية المعارضة، مثل حركة “فرنسا الأبية”، اعتبرت الخطوة نوعاً من “الأبوية الرقمية” المفرطة، إلا أن التوجه العام في باريس يسير نحو جعل فرنسا رائدة أوروبياً في هذا المجال، مقتفية أثر أستراليا التي سنت قوانين مشابهة مؤخراً.
التحدي الأكبر الذي يواجه هذا القانون يكمن في “التحقق من العمر”؛ وهي معضلة تقنية لا تزال قيد الدراسة على المستوى الأوروبي لضمان تطبيق المنع بشكل فعال لا يقبل التحايل. ومع ذلك، تبدو الرسالة الفرنسية واضحة: حماية الصحة العقلية للأجيال القادمة تسمو فوق مصالح شركات التكنولوجيا العملاقة.