24 ساعة

صلاة الفجر في زمن «السمارت فون».. جدل ساخن بين عصيد والباحثين حول طقوس المدينة والقرية

عادت قضية العلاقة بين الشعائر الدينية ونمط الحياة المعاصر لتشعل نقاشاً فكرياً حاداً في المغرب، بطلها هذه المرة الباحث أحمد عصيد، الذي ربط بين صلاة الفجر والنمط القروي التقليدي، معتبراً أن الدعوة إليها في زمننا الحالي تعكس نوعاً من «بؤس الوعي الإسلامي المعاصر». عصيد، في طرحه المثير للجدل، يرى أن النصوص الدينية لا تنفصل عن سياقاتها الزمانية والمكانية، وأن تغيّر أساليب العيش من المفترض أن يتبعه بالضرورة تغيّر في السلوك الديني للمؤمنين.

ويرتكز منطق عصيد على أن دخول الكهرباء، وانتشار التلفزيون، وأنماط السهر المرتبطة بالهواتف الذكية والعمل في القطاع العام، جعلت وقت النوم يتأخر لدى الغالبية العظمى إلى ما بعد منتصف الليل. وفي هذا الصدد، وصف عصيد الدعوات المتكررة للاستيقاظ لصلاة الفجر بأنها «مفارقة مضحكة»، خصوصاً حين تصدر عمن يقضون ليلهم أمام الشاشات حتى الواحدة صباحاً، معتبراً أن هذه الدعوات نوع من «الوصاية» على حياة الآخرين، ومؤكداً أن الصلاة تظل اختياراً شخصياً وعلاقة عمودية بين الفرد وخالقه.

في المقابل، لم تمر هذه التصريحات مرور الكرام، حيث واجهت انتقادات لاذعة من باحثين يرون أن «إيقاع المدينة الصاخب» لم ولن يلغي مركزية صلاة الفجر في حياة المسلم. ويرى هؤلاء أن الصلاة ممارسة روحية تتجاوز مفاهيم «الراحة الجسدية» أو «الملاءمة الزمنية»، فهي نظام ثابت عابر للتاريخ والتحولات الاجتماعية.

وفي قراءة ميدانية لافتة، سجل الباحث في الفكر الإسلامي، إدريس الكنبوري، ما وصفه بـ«الخلل الواضح» في فهم طبيعة المجتمع المغربي من طرف عصيد. الكنبوري أكد أن الواقع الميداني يثبت عكس ذلك تماماً؛ إذ تشهد المساجد في المدن الكبرى مثل الرباط وسلا إقبالاً متزايداً على صلاة الفجر، والمفاجأة أن الصفوف الأولى لم تعد حكراً على كبار السن كما كان الحال في الثمانينيات، بل أصبحت تعج بالشباب.

وبينما يصر عصيد على أن المواعظ العاطفية التي تتجاهل إكراهات العصر تظل «نداءات فارغة» لا تجد صدى حقيقياً على أرض الواقع، يرى خصومه أن التدين المغربي يتجدد من داخل الحداثة نفسها، وأن المدينة بطقوسها الجديدة لم تزد المؤمنين إلا تشبثاً بشعائرهم، لتظل صلاة الفجر نقطة تماس ساخنة بين قراءتين: واحدة ترى الدين نصاً يتكيف مع الواقع، وأخرى تراه ثابتاً يقاوم المتغيرات.